الصالحي الشامي
169
سبل الهدى والرشاد
الباب الخامس عشر في بنيان قريش الكعبة وكان بناؤهم لها لأمور : الأول : توهينها من الحريق الذي أصابها ، وذلك أن امرأة جمرت الكعبة فطارت شرارة من مجمرها في ثياب الكعبة فاحترقت . الثاني : أن السيل دخلها وصدع جدرانها بعد توهينها . الثالث : أن نفرا سرقوا حلي الكعبة وغزالين من ذهب . وقيل غزال واحد مرصع بدر وجوهر وكان في بئر في جوف الكعبة ، وكان الذي وجد عنده دويك مولى لبني مليح بن عمرو من خزاعة فقطعت قريش يده . وتزعم قريش أن الذين سرقوه وضعوه عند دويك . فأرادوا أن يشدوا بنيانها وأن يرفعوا بابها حتى لا يدخلها إلا من شاءوا ، وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم اسمه باقوم - بباء موحدة فقاف مضمومة - وكان بانيا فتحطمت ، فخرج الوليد بن المغيرة في نفر من قريش إلى السفينة فابتاعوا خشبها وكلموا الرومي باقوم فقدم معهم فأخذوا خشبها فأعدوه لتسقيف الكعبة . قال الأموي : كانت هذه السفينة لقيصر ملك الروم تحمل له آلات البناء من الرخام والخشب والحديد ، سرحها قيصر مع باقوم إلى الكنيسة التي أحرقها الفرس بالحبشة ، فلما بلغت مرساها من جدة بعث الله تعالى عليها ريحا فحطمتها . قال ابن إسحاق : وكان بمكة رجل قبطي نجار ، فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها ، وكانت حية عظيمة تخرج من بئر الكعبة التي كان يطرح فيها ما يهدى لها فتشرق على جدار الكعبة ، وكانت مما يهابون ذلك أنه لا يدنو منها أحد إلا اخزألت وكشت وفتحت فاها فكانوا يهابونها . وحكى السهيلي عن رزين أن سارقا دخل الكعبة في أيام جرهم ليسرق كنزها فانهار البئر عليه حتى جاءوا فأخرجوه وأخذوا ما كان أخذه . ثم سكنت البئر حية كرأس الجدي وبطنها أبيض وظهرها أسود . فأقامت فيه خمسمائة سنة ، وهي التي ذكرها ابن إسحاق . قال ابن عقبة : وزعموا أنها إذا أحاطت بالبيت رأسها عند ذنبها . فبينا هي ذات يوم تشرق على جدار الكعبة كما كانت تصنع بعث الله تعالى طائر فاختطفها فذهب بها فقالت قريش عند ذلك : إنا لنرجو أن يكون الله تعالى قد رضي ما أردنا ، عندنا عامل رفيق وعندنا خشب ، وقد كفانا الله تعالى الحية . فلما أجمعوا أمرهم في أمرها وبنيانها قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ . قال ابن إسحاق : ابن عبد بن عمران . وقال ابن هشام : عائذ بن عمران ثم اتفقا فقالا : ابن مخزوم . وهو خال أبي